ابن أبي الحديد

52

شرح نهج البلاغة

ولا تمل إلى صهر ولا ذي قرابة ، ولا تعمل إلا لله ، ولا تألو هذه الأمة أن تختار لها خيرها . قال : فحلف له عبد الرحمن بالله الذي لا إله إلا هو ، لأجتهدن لنفسي ولكم وللأمة ، ولا أميل إلى هوى ولا إلى صهر ولا ذي قرابة . قال : فخرج عبد الرحمن ، فمكث ثلاثة أيام يشاور الناس ، ثم رجع واجتمع الناس ، وكثروا على الباب لا يشكون أنه يبايع علي بن أبي طالب ، وكان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان ، وهوى طائفة من الأنصار مع علي ، وهوى طائفة أخرى مع عثمان ، وهي أقل الطائفتين ، وطائفة لا يبالون : أيهما بويع . قال : فأقبل المقداد بن عمرو ، والناس مجتمعون ، فقال : أيها الناس ، اسمعوا ما أقول ، أنا المقداد بن عمرو ، إنكم إن بايعتم عليا سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا ، فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، فنادى : أيها الناس ، إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم عليا سمعنا وعصينا . فقال له المقداد : يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه ، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون ! فقال له عبد الله : يا بن الحليف العسيف ( 1 ) ، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش ! فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح : أيها الملا ، إن أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها ، فبايعوا عثمان ، فقال عمار بن ياسر : إن أردتم ألا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليا ، ثم أقبل على عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فقال : يا فاسق يا بن الفاسق ، أأنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم ! وارتفعت الأصوات ، ونادى مناد لا يدرى من هو ! - فقريش تزعم أنه رجل من بنى مخزوم : والأنصار تزعم أنه رجل طوال آدم مشرف على الناس - لا يعرفه أحد منهم : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك ، وامض على ما في نفسك فإنه الصواب .

--> ( 1 ) الصيف : المستهان به .